عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

103

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

شواهد الحق وكشف الحقائق بحسب استعمال القلب وغيره من المدركات الروحانية ، فيزيد في كمالاتهم . والصنف الثاني : يستعملون هذه الآلات بالطبع لا بالشرع على خلاف أوامر مستخلفهم ونواهيه ، فيستعملون العقل المشوب بالوهم والخيال فيما ليس له فيه مجال التصرف من الإلهيات فيقعون في شبهات أهل البدعة والضلالة من المتكلمين والمتفلسفين فيحرمون من سعادة الخلافة وكرامتها . والطبقة الثالثة : يستعملون جميع الآلات الجسدانية والروحانية على وفق أوامر مستخلفهم ونواهيه ، وهم الأنبياء والأولياء ولهم المرتبة العليا في الخلافة ، ولهذا فضل اللّه آدم - عليه السلام - على الملائكة - عليهم السلام - بالخلافة ؛ لأنه ليس لهم هذه الآلات بجميعها لاستعداد الخلافة ، وكان فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة ؛ منها : اختصاصه بتعليم علم الأسماء كلها فقال : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس ، فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله : كُلَّها [ البقرة : 31 ] أي : بكليتها ، وهي حقائق المسميات . معناه وعلم آدم الأسماء والمسميات وحقائقها ، مثالها أن اللّه علمك اسم الغنم ، فما اقتصر منه على علم مجرد هذا الاسم ، بل علمك علم أسمائه كلها بأن علمك ببصرك اسم لونه أبيض أم أسود ، وعلمك بسمعك اسم صوته ، واسم رائحته بشمك ، واسم طعمه بذوقك ، واسم لينه وخشونته بلمسك ، كذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه وخواصه ومنافعه ومضاره علمك بقواك وعقلك ، وعلمك بإيمانك اسم خليفته فلكل جزء من أجزائه اسم وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية ، وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صور الأشياء ومعانيها وحقائقها وأن له بحسب كل شيء من الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي خلافة عن مستخلفه الذي هو مدرك حقائق الأشياء بلا آلة مدركة ، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية ، فلهذا لما عرضهم على الملائكة فقال : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 31 ] إن كان لكم فضيلة على آدم بالتسبيح والتقديس والحمد والثناء قالُوا سُبْحانَكَ [ البقرة : 32 ] إقرار بالعجز واعتذارا عن الاعتراض واعترافا باستحقاقه للخلافة لا عِلْمَ لَنا [ البقرة : 32 ] بالأسماء وحقائقها إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] منها بما أعطيتنا من النظر الملكي الملكوتي ، فأظهر فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها ، فكما أن القرآن كان دليلا على نبوة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وفضيلته على الكافرين